محمد كرد علي
116
خطط الشام
ديوان الأوقاف وإدارتها ، ما دام أعضاؤها عاطلين من الأهلية علما وخلقا ، ولأكثرهم علائق بوقف خيري أو أهلي ، مما هو مخالف للقانون . فهم لا علم ولا نزاهة ولا غيرة . أما نظار الأوقاف الأقوياء بالمجد الكاذب ، فقد كانوا يتصرفون تصرف الملاك بالأعيان الموقوفة الريع على المعاهد الدينية والخيرية وعلى ذرية الواقفين ، فضلا عما يختلسونه من المدارس وأفنية المساجد ، يتخذون جميع ذلك دورا وحوانيت وحدائق ، وينقلونها في سجلات التمليك من الوقف المحض إلى الملك الصرف . وإذا طالب بعض أرباب الغيرة بإعادة الأوقاف إلى حالها وإجراء أمورها على حقيقتها تقام عليهم الدعاوى المزورة ، وتنصب لهم المكايد وأشراك الانتقام . وكأن لسان حال ديوان الأوقاف ومجلس إدارتها ورئيسه يقول لنظار الأوقاف المختلسين : ( سكتنا عنكم لتسكتوا عنا ) لأن جميعهم باستنزاف الأموال وسحق الضعفاء سواء . ولقد انتظم ديوان أوقاف الشام في الجملة بعد إعلان القانون الأساسي ( 1908 م ) وتسرب إليها شيء من الإصلاح بفضل الخطط التي رسمها وزير الأوقاف العثمانية العربي خليل حمادة باشا ، وتناقص النهب والاختلاس بالنسبة إلى العهد المنصرم ، غير أن المعاهد والمعابد لم ينلها حظ من زيادة الواردات ، لأنها كانت تنفذ إلى العاصمة فتنفق كغيرها من واردات أوقاف الإيالات العثمانية كإنشاء فنادق كبرى للوقف في الآستانة . وظلت قوانين الأوقاف كما كانت في عهد السلطان عبد الحميد حبرا على ورق . ومما يسجل من أعمال الدولة في الحرب العالمية أنها انتهكت الحرمات باسم الجهاد المقدس ، وذلك باتخاذ المعابد وفي مقدمتها الحرم النبوي الشريف ، والمدارس والمعاهد الخيرية وملاجئ الإسعاف العام ثكنات لمأوى الجنود وإصطبلات لربط الخيول ، وحبس الأنعام ، ومستودعات لادخار أنواع الذخيرة وضروب الميرة . ولما انجلى الترك عن ربوع الشام ، أغاروا على سجلات الأوقاف ووثائقها وأوراقها الخطيرة ونقودها ، كما أغاروا على وثائق أغلب الدواوين وسجلاتها ونهبوا نقودها ، وفي عدادها أموال اليتامى وأمانات المصارف الزراعية ، فأصيبت دواوين الأوقاف من أجل هذا بمصيبة عظيمة .